أوقفوهم قبل فوات الأوان !


أوقفوهم قبل فوات الأوان !

يتذكر أكثرنا تلك القصة عن العجوز الذي كان يمتلك "إوزة" تبيض كل يوم بيضة ذهبية واحدة ، كان الأمر بالنسبة له أكثر من كافٍ ، و دارت الأيام و توفي العجوز و ورثها ابنه ، لكن الابن لم يكن كأبيه في الصبر ، لذلك قرّر أن يستخرج كل البيضات الذهبية دفعة واحدة بدلاً من انتظار بيضة يتيمة كل يوم ، و فعلاً قام بذبح الإوزة و شق بطنها بحثاً عن الذهب لكنه لم يجد شيئاً ونَدِم حيث لا ينفع الندم !

هناك سعيٌ غير صحي لدى بعض المسئولين "المغاوير" عن الدوائر و المؤسسات الخدمية لتلميع النفس و البقاء تحت الأضواء قدر الإمكان ، و ما يستدعيه ذلك من عمل أي شيء يلفت لهم الانتباه حتى لو كانت تبعات ذلك العمل كارثية على المؤسسة إن لم يكن على المدينة التي تعمل فيها ، و غالباً تكون قراراتهم المتهوّرة نابعةً من عدم دراية و بدون تفكّر فيما يمكن أن يجرّه هذا القرار أو هذا الإجراء من تداعيات سلبية على المجتمع و شرائح المتعاملين مع مؤسساتهم ، الأمر يبدو أنه كما قال الإمام ابن حجر : "مَن تكلَّمَ في غير فَنِّه أتى بالعجائب" !

هذه الأيام يستميت الكثير من هؤلاء المغاوير في "اختراع" رسوم إضافية على إجراءات كانت مجانية أو زيادة حجم رسوم قائمة في المؤسسات التي يديرون شؤونها ، و كل يوم يُعاني رجل الأعمال كما يُعاني المتعامل البسيط من رسوم أخذت في الظهور المتسارع كما تتسارع حبوب "الحِمْجِة" في وجه المريض ، كل ذلك من أجل أن يتفاخر أمام المسئولين الكبار بأنه استطاع بـ"فهلوته" و عبقريّته التي يُحسَد عليها إيجاد بنود إيرادات جديدة ، و التي تكون في أحيان كثيرة كمن حاول الهرب من برد ليلته الشاتية فقام بإشعال النار في منزله حتى ينال شيئاً من الدفء !

نعلم جميعاً أنّه من المهم أن تستطيع المؤسسات تغطية نفسها مالياً بطريقة ذاتية إن كان ذلك متيسراً و بطريقة مدروسة من كل الأبعاد ، لكن الكارثة أن تتسبّب في سعيها لذلك بتوجيه طعنات قاتلة لاقتصاد البلد دون أن تدري ، فحتى المواطن أو المقيم الذي لا خيار له إلا بالتعامل مع هذه المؤسسة سوف يعيد حساباته بما يجب أن يُنفقه و عائلته على انفاقهم الاستهلاكي الشهري بعد أن طرأت هذه الرسوم فجأة دون تغيّر في الخدمات لا نوعاً و لا كماً فتكسد بذلك الأسواق ، أمّا المستثمر الأجنبي فهو قصة أخرى !

قصة أخرى لأن الدولة تبذل الكثير من الجهود لجذب رؤوس الأموال العالمية و تشجيع المستثمرين للقدوم و العمل هنا لانعاش الاقتصاد الوطني أكثر و دفع عجلة التنمية و الاستفادة منهم و من أفكارهم و خبراتهم و شبكات اتصالهم لتثبيت ركائز اقتصاد المعرفة و نقلها لأبناء البلد ، هذه الجهود الجبارة يتم نسفها بغمضة عين من خلال مدير "مب عارف وين الله حاطنّه" يقرر فرض رسوم هنا و زيادة رسوم هناك ، الأمر الذي يجعل الوضع مزعجاً و مُكْلِفاً للمستثمر و يجعله يُعيد حساباته هو الآخر من جديد ، و لئن لم يكن للمواطن أو المقيم من خيار إلا الرضوخ لمطالبات الدوائر ، فإن المستثمر يستطيع أن يحزم حقائبه و يرحل غير آسف !

المؤلم أننا في زمنٍ إنْ خرج فيه المستثمر عنك فلن يعود ثانية ، لأن المنافسين لك ،و هم كُثُر، مستعدون لفرش طريقه بالورود بل و بالذهب حتى يأتي إليهم و يستثمر أمواله في أسواقهم و ينقل معارفه و خبراته إليهم ، و لا تنتهي المصائب هنا لأن هذا المستثمر المتذمر و الراحل عنك سيقوم بنشر سمعة سيئة عن بيئة الأعمال لديك و سيحذّر كل من يعرفهم حتى لا يقتربوا من دولتك و أسواقها ، "ارتحت الحين يا بو العُرّيف"!

نحتاج هنا لجهاز مؤسسي يختص بدراسة و تمحيص و رفع توصيات للجهات السيادية العليا عن أي مقترح لأي نوعٍ من الرسوم ، يُشفّع بتقرير مفصل عن تأثيراته المحتملة على الاقتصاد و السوق المحلي ، فالعائد لا يُقاس مالياً فقط بل لا بد من استيفاء الجوانب الأخرى و التي تمس البلد ، و حبذا لو تم فوق ذلك إدخال جميع القيادات الحالية و القادمة في برامج تأهيلية مكثفة عن مبادئ علم الاقتصاد ، فالبعض يحاول أن "يتيمّل" و يفعل خيراً ، لكنه يرتكب كوارث لا ينتبه لها و لا يعرف حجم تبعاتها لأنه ببساطة رأى الناس يفعلون فقرر تقليدهم حتى لا تبدو مؤسسته الوحيدة التي لا تحقق إيرادات و "مع الخيل يا شقرا" !

يقول ستيفن كوفي: "إن المدير هو من يقرر تسلّق السُلَّم للوصول للنجاح ، لكن القائد هو من يتأكد أنّ السُلَّم قد تم وضعه على الجدار الصحيح" ، فالبعض يحاول و ينجح لأنه يمتلك كافة القدرات التي يحتاجها النجاح ، و البعض الآخر يحاول و يتعثر و لا يخرج من ذلك التعثّر أبداً لأنه يفتقد المقوّمات رغم حسن النوايا ، هنا لا بد مِن تدخّل مِن الأعلى لتصويب هذه الانحرافات قبل أن يتحوّل هذا التعثر إلى أزمة مستعصية ، و كلما كان الأمر متعلقاً بسمعة البلد كان الوضع محتاجاً لتدخلٍ سريع قبل أن يفوت الفوت و يرحل من يهمنا وجوده و يذبح "المغاوير" إوزة الذهب !



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رجال المنعطفات التاريخية